الوقف ومعناه

الوقف: من وقفتُ الدار بمعنى حبستها، وجمع وقف أوقاف، تعريفه اصطلاحًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة،فالوقف هو تخصيص مبالغ المال والأصول لانتفاع الناس بها بشكل مستدام؛ بحيث يتم منع بيع وشراء أو انقطاع الوظيفة التي يؤديها هذا الوقف، ويعتبر الوقف صدقة جارية ومنفعة مستدامة لعامة الناس أو للفئة التي خصص لها.

يتميز الوقف عن الأعمال الخيرية،كالمعونات المادية المستهلكة والصدقات التي تقدم لمحتاجيها وتنتهي منفعتها باستهلاكها، بأنه باقٍ ومنفعته متجددة طالما ظل موجوداً، سواء كان ثابتاً على شكل عقارات ومدارس وآبار وما إلى ذلك، أو كان متنقلاً كالأدوات والكتب ومن كل ما يستدام ويمكن الانتفاع به لوقت طويل.

الوقف والاستثمار

ويركز الوقف على الاستثمار في أصول رأسمالية إنتاجية، تنتج المنافع والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، سواء كان هذا الاستهلاك بصورة جماعية كمنافع المسجد أو المدرسة، أو بصورة فردية نحو ما يوزع على الفقراء والمساكين أو على الذرية، فهو عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معا

الوقف المجتمع

يبرز دور الوقف في الحياة الاجتماعية باعتباره شكلاً من أشكال التكافل يهتم بالمشاكل الاجتماعية؛ من بطالة وفقر، وتخفيف من الأعباء الاقتصادية والحد من الحاجة في صفوف شريحة اجتماعية معينة تحتاج إلى من يعيلها أو أن يأخذ بيدها نحو الاستقرار، كذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال والأيتام وكبار السن كما تخصص بعض الأوقاف لدعم وتمكين المرأة.

الوقف والأديان

شجعت الأديان السماوية فكرة الأوقاف، وخُصصت عبر التاريخ أماكن وأموال وأصول لأهداف دينية؛ فأوقفت الأديرة والمساجد ومرافقها التي خصصت للعبادة والتعليم وأحياناً للسكن وإطعام الزائرين وعابري الطريق، كما بادر الناس إلى وقف الأوقاف لغايات إنسانية واجتماعية حثت عليها الأديان؛ فأوقفوا أوقافاً اختصت بالتعليم أو توفير المياه والطعام لمحتاجيه، وأقفوا مؤسسات وأدوات الرعاية الصحية، ومحطات على طرق الحج والتجارة لينتفع منها الحجاج والمسافرين. وتقسم الأوقاف بشكل عام إلى أوقاف دينية تخصص فيها الأموال لأغراض العبادة ومرافقها؛ وأوقاف خيرية تخصص فيها الأموال لمختلف حاجات المجتمع الخيرية والصحية والتعليمية والثقافية والأمنية؛ وأوقاف أهلية توقف فيها الأملاك لأهل صاحبها وسلالته في الدرجة الأولى ثم للخير العام بعد ذلك.

تاريخ الوقف في فلسطين

لعب الوقف دورًا مهما في ترسيخ وإبراز الهوية الإسلامية لفلسطين عبر تاريخها، فعن طريق الوقف أقيمت المساجد والأديرة، وبنيت المدارس والمعاهد ودور العلم والمكتبات المتخصصة، وأنشئت الأربطة والمستشفيات ودور النقاهة، وتم الإنفاق على هذه المنجزات الحضارية من أموال الواقفين، وظلت تلك الأوقاف خالدة بأسماء من أوقفوها. ويرجع تاريخ الوقف الإسلامي في فلسطين إلى العصر النبوي حيث أوقف الرسول عليه السلام أرض الخليل للصحابي تميم الداري، وبعد فتحها في عهد عمر بن الخطاب قام عمر بوقف أرض فلسطين للمسلمين، ثم أوقف عثمان بن عفان وقف عين سلوان لفقراء المسلمين في القدس.

انتهج الأمويون خلال حكمهم لفلسطين، نفس الطريقة التي تعاملت بها الخلفاء الراشدين مع فلسطين كوقف إسلامي، فقاموا على رعايتها ورعاية مقدساتها وإعمارها، فقد أوقف عبد الملك بن مروان الخراج كله ولمدة سبع سنوات لبناء مسجد الصخرة في القدس. وأقام الأيوبيون ومن بعدهم المماليك مبان وقفية عديدة في المدينة المقدسة، وحافظوا عليها وقاموا برعايتها بشكل منتظم.

كان إنشاء المدارس الوقفية من بين أهم عوامل ازدهار الحياة العلمية والحركة الفكرية في فلسطين إبان العهد المملوكي، وقد تنافس رجال الحكم والسلطة في الدولة المملوكية ومن اتصل بهم في وقف هذه المدارس واختيار أفضل المدرسين وأتقاهم للعمل فيها. ومهدت هذه المدارس الطريق أمام طلاب العلم ليتعلموا في القدس بأقل الجهد وأقصر وقت وأقل التكاليف. وأصبح طالب العلم غير محتاج إلى أن ينتقل من بلد إلى آخر يبحث عن المدرسين بل صار المدرسون هم الذين يأتون إليه في المدارس. وكانت فترة المماليك من العهود المشرقة في بلاد الشام، إذ أصبحا محور استقطاب العلماء من جميع البلدان الإسلامية.

تعتبر المدرسة التنكزية قرب باب السلسلة، غرب المسجد الأقصى التي أنشأها السلطان قايتباي وأوقفها عام 1328م من أهم الأوقاف التي اهتمت بالتعليم عبر التاريخ في القدس، وقد حولت إلى مقر للمحكمة الشرعية في العهد العثماني، وبقيت كذلك في أوائل الاحتلال البريطاني، ثم اتخذت داراً لسكن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني وصارت مدرسة لتعليم الفقه الإسلامي. واستولت عليها السلطات الصهيونية عام 1969م بحجة أن نوافذها تطل على البراق وحارة اليهود، وأجرت حفريات تحتها هددتها بالانهيار.

اهتم الأيوبيون والمماليك بإنشاء البيمارستاناتفي فلسطين، والبيمارستان هو المركز العلاجي. فقد قرر الملك الناصر صلاح الدين أن يجعل الكنيسة المجاورة لدار الإسبتار، والواقعة جنوب كنيسة القيامة ، بيمارستاناً للمرضى، وهيأ فيه العقاقير والأدوية ،

ووقف عليه الأوقاف العديدة ، وبقي هذا البيمارستان يؤدي دوره في لعصور عديدة. وكان في القدس العديد من البساتين الوقفية التي امتلأت بالأشجار المثمرة وكروم العنب والتين والتفاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *